لا بلد للعجائز
الصفحة الرئيسية تحليلات

شيخوخة سكان أوروبا هي تهديد لمنطقة اليورو على مدى الطويل.

في الآونة الأخيرة كانت أمور بلدان منطقة اليورو جيدة إذ بلغ النمو 0.4% في الربع الأول (1.6% سنوياً) وهو الأعلى خلال سنتي الإنقاذ من الركود وانخفضت البطالة بنسبة 11.1% وهو أدنى مستوى خلال ثلاث سنوات الماضية وعاد التضخم المالي إلى القيم الإيجابية. لاحظنا موجة جديدة من الأمل في أن اليونان ستحافظ على عضويتها في منطقة اليورو. وحتى لو حدث ذلك لواجه اليورو أزمة أشد تأثيراً. التغيرات الديموغرافية ستؤدي إلى تشديد آثار نمو الميزانيات الحكومية البطيء. ستضرالأزمة عضو منطقة اليورو وهو ليس بلد على البحر المتوسط صغير بل ألمانيا، واحدة من رواد الدول الأوروبية.

مشاكل ألمانيا

شيخوخة السكان لها في البداية تأثير اقتصادي إيجابي ولكنها تؤدي إلى عواقب سلبية. بذل الجيل الكبير الذي ولد بعد الحرب العالمية الثانية جهوداً لنمو البلد مما يزيد عدد العمال على حد سواء بالأرقام المطلقة أو النسبة المئوية من مجموع السكان. ولكن يحل محل طفرة المواليد الجيل الجديد الذي جاء حين ولد أقل عدد من الناس. إذا لم يكن هناك تغيرات كبيرة في مجال الإنتاجية أو ارتفاع سن التقاعد سيكون النمو المحتمل صعباً لأن عدد أقل من الناس سيبقى قادرون على العمل. هذا التحول لا مفر منه وهو نتيجة لمعدل النمو السكاني منذ سنوات عديدة وإنجازات الطب الحديث. وصول المهاجرين الشباب يمكن أن يغير الوضع قليلاً لأن عدد السكان الأصليين أكبر من عدد المهاجرين على أي حال.

تأثير الشيخوخة السكانية على الميزانية له مرحلتان. في المرحلة الأولى تكتسب الميزانية لأن زيادة السكان العاملين تؤدي إلى زيادة في تحصيل الضرائب، في حين أن نسبة كبار السن الصغيرة تخفض تكاليف تمويل المعاشات التقاعدية. ولكن عندما يتقاعد جيل طفرة المواليد سيقلب هذا الكسب بسبب انخفاض عدد الأشخاص في سن العمل الذين يدفعون الضرائب التي يجب أن تدعم عدداً متزايداً من المتقاعدين وبالتالي سيتم زيادة تكاليف ضمانهم الاجتماعي في اتجاهين. المزيد من المواطنين سيستلمون المعاشات التقاعدية وستزيد تكاليف توفير الرعاية الصحية التي تقدمها الحكومة. على الرغم من انخفاض الإنفاق على التعليم لن تكون هناك فائدة ملموسة.

سبقت بداية طفرة المواليد ما بعد الحرب في الولايات المتحدة أوروبا. جاءت قمة ذروة الخصوبة في نهاية الخمسينات. هذا يعني أن أول أولاد طفرة المواليد في الولايات المتحدة يبدؤون أن يتقاعدوا. ولكن بقي معدل المواليد في الولايات المتحدة قريب من معدل التكاثر (أكثر بقليل من طفلين لكل امرأة) ونظراً لعدد المهاجرين الكبير لا يزال عدد السكان في سن العمل يزيد.

بدأت طفرة المواليد في الخمسينات ووصلت إلى قيمتها في منتصف الستينات ولذلك السبب تبدأ هناك مرحلة سلبية الآن. بالإضافة إلى ذلك لم يكن جيل طفرة المواليد في أوروبا مثل ما كان في الولايات المتحدة وانخفض معدل المواليد هناك بشكل أسرع وأشد. في السبعينات انخفض معدل التكاثر ولا يزال ضعيفا خاصة في أوروبا الجنوبية وألمانيا. في المملكة المتحدة وفرنسا تم رفع معدل المواليد خلال السنوات الأخيرة ليصل الى مستوى الولايات المتحدة.

هذا يدل على أن تأثير التقلبات الديموغرافية ستؤثرعلى أوروبا بشكل قوي جداً. تشير التنبؤات الجديدة التي نشرتها المفوضية الأوروبية إلى قوة وعمق هذه الظاهرة. بين أعوام 2013 (سنة التنبؤ الأساسية) و2030 سينخفض عدد السكان القادرين على العمل في منطقة اليورو بنسبة 6%. من المتوقع أن يكون هذا الانخفاض واضحاً في ألمانيا حيث سيبلغ انخفاض العاملين المحتملين نسبة 13%. وسيبلغ الانخفاض في فرنسا 1% فقط وأما بريطانيا فيتوقع ارتفاعاً طفيفاً ليبلغ نسبة 2%.

سيزيد عدد المتقاعدين مع انخفاض عدد السكان القادرين على العمل. وهذا سيرفع نسبة الإعالة (عدد الأشخاص الذين يبلغون الستين من عمرهم وأكثر بالنسبة إلى عدد السكان الذين تتراوح أعمارهم بين 20-64). بشكل عام سترتفع هذه النسبة من 32% عام 2013 إلى 45% عام 2030. نلاحظ التغيير الديموغرافي الشديد في ألمانيا حيث سيزيد عدد المتقاعدين بنسبة 5 ملايين (30%) مع انخفاض عدد الأشخاص القادرين على العمل بنسبة 6 ملايين. وهذا سيرفع نسبة الإعالة في عام 2030 من 34% إلى 52% وهي أعلى قيمة في أوروبا كلها باستثناء ليتوانيا.

لا راحة من دون أطفال

معدل الإنتاجية المرتفع يمكن أن يعوض انخفاض عدد العاملين الذي سيخفض الناتج المحلي الاجمالي في ألمانيا نسبة 0.7% سنوياً في منتصف 2020 وفقاً لتنبؤات المفوضية الأوروبية. ومع ذلك قد يبطأ نمو الإنتاجية في منطقة اليورو حتى قبل الأزمة المالية. كان ضئيلاً خلال أزمة العملة وأربع السنوات الماضية. العودة إلى نسبة 1% التي كانت مخيبة للآمال الآن ستكون إنجازاً في حد ذاته.

قد يكون رد الفعل الواضح على شيخوخة السكان زيادة سن التقاعد. مثلاً في إيطاليا عام 2011 تم تمرير التعديلات التشريعية التي رفعت سن التقاعد. كل هذه العمليات يمكن أن تزيد عدد العمال لأن في هذه الحالة كل من تجاوز 50 و60 سنة من عمره سيستمر في العمل.

داخل أو خارج منطقة اليورو ستضطر اليونان أن تغيير سن التقاعد المنخفض. ولكن مع هذه الإصلاحات سيكون تحقيق النمو المطلوب مهمة صعبة جداً خلال 15 سنة مقبلة. هذا سيعقد معالجة الديون الخاصة (والحكومية) الكثيرة التي تؤثر على رفاهية أعضاء منطقة اليورو الكثيرين ويعرضهم للمخاطر الإضافية.

الحقيقة أن شيخوخة السكان ستكون واضحة خاصةً في ألمانيا بسبب نفوذ هذا البلد على الساحة الدولية. دعمت موثوقية الاقتصاد الألماني منطقة اليورو خلال الأزمة. ولكن الوضع الديموغرافي الآن سيضعف اقتصاد البلد. وفقاً للتنبؤات الجديدة ستحل بريطانيا (إذا ستبقى على شكلها الحالي وتبقى عضوة في الاتحاد الأوروبي) محل ألمانيا في دور البلد الأكثر سكاناً في الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2050. هذا هو مثال كيف شيخوخة السكان يمكن أن تضر أقوى اقتصاد في أوروبا.

الرجاء وصف الخطأ
إغلاق