الديموغرافيا تغير الاقتصاد
الصفحة الرئيسية اقتصاد

تعوّدنا اليوم الحديث حول تأثير الوضع السكاني على الاقتصاد العالمي ولا نولي لهذا اهتماما كبيرا حيث أنه لا يجوز إهمال العوامل السكانية وتحدياتها الخطيرة.إذ يمكن أن تكون خطيرة جدا.

يمكن القول أن فترة النمو الكبير لعدد السكان في سن العمل في كل أنحاء العالم قد انتهت وحلت محلَّها فترة جديدة تتصف بزياد نسبة السكان في سن التقاعد.ازداد متوسط عمر الإنسان بالإضافة إلى أن الهيكل العمري للسكان قد تغير كثيرا نتيجة للواقع الجديد، حيث تفضّل العائلات المعاصرة ألا يكون فيها عددا كبيرا من الأولاد. وفي الوقت الحالي مقابل كل شخص في 60 من عمره وأكثر حوالي 4 أشخاص في سن العمل. وبحلول عام 2050 سوف ينخفض هذا المؤشر إلى شخصين في سن العمل فقط. ومن يعرف كيف ستغير الأوضاع في ذلك الحين.

ما المقصود بذلك؟ من جهة يعني ذلك أن الصناديق الحكومية المسؤولة عن دفعات المتقاعدين سوف تشهد زيادة ملحوظة في العمل، ولكن جميع التداعيات والانعكاسات لهذه التغيرات يمكن أن تكون أكثر خطورة وخطرة بالفعل.

كما يشير تشارلز غودخارت وفيليب ارفورت في التقارير الأخيرة لهم الصادرة في موقع VoxEU للمركز الأوروبي للدراسات السياسية الاقتصادية، هناك ارتباط وثيق بين الوضع السكاني العالمي والنمو الاقتصادي والمؤشرات الاقتصادية في نفس الوقت. وكما يظهر التقرير خلال السنوات الـ20 أو الـ30 القادمة سوف تتغير الأوضاع أكثر مما يمكن أن نتوقع.

الفوائض الخارجية

تنطلق هذه الفكرة من أن الدول ذات النسبة الكبيرة من السكان في سن التقاعد ليس لديها مدخرات كبيرة عادة لأن هؤلاء يفضلون توفير المال خلال فترة العمل ما يؤثر تاثيرا كبيرا على حركة رؤوس الأموال بشكل عام.وفقا لهذا المبدأ يمكن تفسير مدى تأثير الوضع السكاني على عدم الاستقرار الاقتصادي الذي أدى إلى قترة الكساد العظيم. يجب القول هنا إن الوضع السكاني لا يؤثر سلبا على التوازن الاقتصادي فحسب، بل يسبب أيضا عدم الاستقرار الاقتصادي بشكل ما.

منذ عدة سنوات تشهد كل من الصين والمانيا فائضا تجاريا ملحوظا بينما تشهد الولايات المتحدة عجزا في ذلك. ومع ذلك تزداد نسبة السكان في سن التقاعد في الصين وألمانيا بشكل أسرع مما هو في الولايات المتحدة. تنخفض بشكل سريع نسبة عدد السكان في15-64 من العمر لعدد السكان في عمر أكثر من 65. وهذا أحد أسباب الفوائض الخارجية يمكن أن تشهدها تلك البلدان قريبا.

وتحتل اليابان المرتبة الأولى بين بلدان العالم من حيث عدد السكان في سن التقاعد. أما الولايات المتحدة فسوف تسجل انخفاضا في النقص التجاري. بالنسبة لمناطق العالم الأخرى فتشهد كل من إفريقيا وأمريكا اللاتينية واسيا الجنوبية ارتفاعا لحجم المدخرات وبالتالي سوف تشهد نسبة مرتفعة للفوائض الخارجية. وبهذه السرعة سوف يتغير الاقتصاد العالمي جذريا.

معدلات الفائدة المنخفضة

من المتوقع أن فترة انخفاض أسعار الفوائد قد تنتهي في وقت قريب. طبقا للدراسات الأخيرة يشكل انخفاض معدلات الفائدة خلال فترة طويلة خطرا كبيرا للسياسة الاقتصادية حيث من الصعب في مثل هذه الظروف القيام بالإجراءات الضرورية لتشجيع وتنشيط الاقتصاد العالمي لذلك تبقى هذه المؤشرات الاقتصادية على نفس المستوى الحالي.

ولا شك في أن الوضع السكاني له تأثير كبير على التوازن العالمي بين المدخرات والاستثمارات وتحديد حجم أسعار الفوائد طويلة الأجل. تؤدي ازدياد نسبة السكان في سن التقاعد إلى تقليل المدخرات بشكل عام.فهل يؤثرهذا على انخفاض حجم الاستثمارات؟ يقول غودخارت والفورت في هذا الصدد إنه من المتوقع زيادة معدلات الفوائد إذا انخفض الطلب على الاستثمارات بسرعة أقل من حجم المدخرات.

كيف يمكن إثبات ذلك؟ من الوهلة الأولى يمكن الإشارة إلى أن النمو السكاني البطيء لا يؤدي إلى انخفاض نفقات السكن بل بسبب ارتفاع مستوى الدخل إذ يصبح الإنسان مهتما أكثر ليشتري شقة أو بيتا له ( كبار السن والشباب) ولا يختار الاستثمار في عقارات الآخرين. كما لا يتوقع خفض حجم الاستثمارات في العقارات.

وخلال السنوات الأخيرة شهد العالم نموا مميزا لسوق العمل بالرغم من الاعتقاد أن تدفق العمالة الرخيصة يجب أن يشدد قيود الاستثمارات. ولكنه في الحقيقة لا تجري الأمور هكذا والكثير يشير إلى أن الأوضاع سوف تتغير في الوقت القريب. بسبب تغيير الهيكل العمري لسكان العالم سوف تنخفض سرعة نمو عرض اليد العاملة تدريجيا وهذا سوف يلعب دوره الهام في تعزيز الطلب العام على الاستثمارات.

كما يعتقد السيد غودخارت وارفورت أنه هناك احتمال ضئيل لانخفاض الطلب على الاستثمارات حسب نسبة الانخفاض في حجم مدخرات السكان:

"يجب التذكير أنه في مثل هذه الحالة سوف تعود أيام ارتفاع معدات الفوائد التي الآن منخفضة جدا. ولا يمكن اعتبار الأمور كما هي الآن شيئا طبيعيا. ولكن ما الذي يمكن أن نتوقعه في المستقبل؟ في عام 2025 من المتوقع استقرار معدلات الفوائد على مستواها الحقيقي السابق بـ 2.5%-3% حيث سوف ترتفع هذه المعدلات إلى مستوى 4.5%-5% بحلول عام 2050".

ولكن لا يجب قبول كل شيء بشكل إيجابي حيث أن ارتفاع معدلات الفوائد إلى مستوى 3%سيفيد موظفي البنوك المركزية فقط.وتباطؤ نمو عدد السكان في سن العمل لن يؤدي إلى انخفاض حجم الإدخار فحسب، بل إلى المعدلات المنخفضة للنمو الاقتصادي بشكل عام.

يمكن أن نلاحظ ارتفاعا نسبيا للرواتب بسبب العجز في عرض اليد العاملة حيث سوف تنخفض نسبة عدم المساوة الاجتماعية على خلفية الضرورة الملحة لارتفاع مقدار الضرائب في نفس الوقت. كل شيء مرتبط بشيء آخر وهذه الحسابات البسيطة تؤكد ذلك.

لا يمكن أن نصدق أن كل شيء كان على ما يرام خلال السنوات العشر الماضية. إذا كنتم متفائلين حول الإمكانية التكنولوجية والتوقعات بشأن نمو الإنتاجية فلا يجوز النسيان عن الوضع السكاني الذي له دور كبيروتأثير قوي فعلا على كل ما يحدث حولنا.

الرجاء وصف الخطأ
إغلاق