أكبر خطأ للاقتصاديين
الصفحة الرئيسية اقتصاد

لماذا لا يستطيع الاقتصاديون أن يتنبؤا حتى بالأحداث واسعة النطاق مثل الركود.

أحد أكبر أحزان الاقتصاديين هو عدم قدرتهم على توقع الأحداث الرئيسية مثل الركود. حتى ملكة بريطانيا وهي الشخص الذي من الصعب أن نبالغ في تقدير حمايتها قد شاركت في اللعبة في عام 2008 وفقا ل U.K. Telegraph:

"خلال إحاطة العلماء في كلية لندن للاقتصاد المكرسة للصدمات في الأسواق الدولية، سألت الملكة: "لماذا لم يلاحظ أحد ذلك؟". قام البروفيسور لويس غاريكانو، مدير الأبحاث في قسم الإدارة لكلية لندن للاقتصاد بتوضيح مصدر و آثار أزمة الائتمان. قال البروفيسور غاريكانو: "لقد سألتني: إذا كانت هذه التغييرات كبيرة لهذه الدرجة، فلماذا قد غاب الأمر عن الجميع؟".

إن الملكة على حق. إليك الصورة المقدمة من قبل البروفسور فولكر فيلاند، في معهد الاستقرار النقدي والمالي والاقتصادي من جامعة جوته مايك والترز التي توضح قلة توقعات الاقتصاديين التي قد كانت صحيحة أثناء الكساد العظيم:

كما ترى حتى أفضل النماذج في الربع السنوي الثالث من عام 2008 قد فاتها الكساد العظيم تماما.

لقد غفل الاقتصاديون عن أشياء أخرى، بالإضافة إلى هذا الركود الرهيب إنهم يغفلون باستمرار عن الأحداث الاقتصادية الوشيكة. إن أفضل النماذج هي تلك التي تستخدم البنوك المركزية والتي تتطلب تعليما خاصا من أجل فهمها،التي تظهر ما يقارب نفس الدقة التنبؤية التي تظهرها الطرق الرياضية البسيطة الساذجة، التي يمكن لأي طالب إحصاء أن يحلها في دقائق.

إذا تمت الإشارة إلى ذلك، كقاعدة، سيبدأ فور النقاش الأبدي (والمسلي دائما) حول ما إذا كان الاقتصاد هو علم حقيقي. يقول المعارضون أنه إذا كنت غير قادر على القيام بتوقعات ناجحة، فأنت لست بعالم. يقول الاقتصاديون أن علماء الزلازل لا يمكنهم التنبؤ بالزلازل و خبراء الأرصاد الجوية لا يمكنهم التنبؤ بالأعاصير وفي كلا الحالتين، لا يهتم أحد بما هو"العلم الحقيقي".

عموما هذا النقاش لا معنى له. إن التنبؤات ليست بالنوع الوحيد من التوقعات التي تستطيع العلوم أن تقوم بها. حتى أنها ليست بالنوع الأهم من التوقعات.

لنأخذ الفيزياءعلى سبيل المثال. في بعض الأحيان يقوم الفيزيائيون بالتوقعات، على سبيل المثال توقع الخسوف. ولكنه أقرب لكونه استثناء. عادة، عندما تقوم بإنشاء نظرية جديدة في الفيزياء،أنت تستخدمها للتنبؤ بظاهرة جديدة - بعض الأشياء التي لم يلاحظها أحد من قبل، لأنه لم يسع أحد إلى ذلك. على سبيل المثال، لقد تلقت الهندسة الكمية دعما كبيرا من توقعات الظواهر الغريبة الجديدة مثل التنفيق الكمي أو التخاطر الكمي.

في حالات أخرى تقوم النظرية بتوقع ما قد رأيناه من قبل ولكنها تصف ذلك باستخدام مصطلحات ظواهر أخرى كانت تعتبر في السابق منفصلة تماما وغير متصلة ببعضها البعض. يسمى هذا بالتوحيد وهو العنصر الأساسي لما تقوم به العلوم حسب رأي الفلاسفة. على سبيل المثال تنص النظرية الكهرومغناطسية على أن الضوء، التيار الكهربائي، المغناطيسية وموجات الراديو، هي في الواقع نفس الظاهرة. أمر عجيب!

أهم شيء في هذه التوقعات أنه يمكن التحقق منها. فإن الملاحظة المباشرة لا تقوم دائما بتقديم الأجوبة الواضحة. من المهم أيضا أن تفتح آفاق جديدة، يمكن لكل نظرية أن تتنبأ أكثر من الظواهر التي هي في أساسها. لقد قام ريتشارد فينمان الفيزيائي والفيلسوف بالتعبير عن رأيه على النحو التالي:

"عندما ترتبط الكثير من الأفكار المختلفة معا في نظرية معقدة، يجب عليك التأكد من أن النطرية لا تقوم فقط بشرح تلك الحقائق التي كانت بمثابة الدفعة الأولة لخلقها. يجب على النظرية المكتملة أن تتنبأ بشيء جديد أيضا و يجب أن يكون لديها تأثيرات إضافية".

إنه علم الفيزياء. ماذا عن الاقتصاد ؟ في الواقع ينجح الاقتصاد أيضا في الكثير من النواحي. عندما قام دانييل مكفادين بتطبيق نموذجه " الفائدة العشوائية" من أجل التنبؤ بكمية الناس الذين سوف يستخدمون نظام قطارات Bay Area Rapid Transit في سان فرانسيسكو كانت هذه التجربة جديدة في الأساس. ولقد حصل على نتائج صحيحة. علاوة على ذلك لم تكن هذه هي النتائج الوحيدة الذي تمكن من الحصول عليها، فلقد تم تصميم نموذج ليس لوصف تدفق الراكبين فقط.

ولكن للأسف لا يحظى هذا النوع من النجاح بتقدير كبير في عالم الاقتصاد. إذا استطعت أن تقوم بشيء مشابه فيمكن أن تبدأ في إدلاء النصائح و لكن زملاؤك العلماء سيعتقدون أنه شيء خاص بك فقط . إن النظريات المعترف عليها هي كقاعدة ليست جيدة من الناحية التجريبية ولكن الجديدة، على سبيل المثال، النظريات التي تستخدم فيها أنواع جديدة من الرياضيات يتم تقديرها لأنها توفر العمل للعديد من الاقتصاديين الآخرين وخصوصا على صعيد بناء صيغ جديدة للنموذج الجديد الرائع.

و إذا كان الاقتصاديون يمدحون النموذج على كونه ناجح من الناحية التجريبية فهم كقاعدة يتحدثون عن مدى نجاح هذا النموذج في وصف الظاهرة التي تم إنشاء النظرية على أساسها. وهذا كما أشار إلى ذلك فينمان بند منخفض جدا. إذا كانت هذه هي العقبة الوحيدة التي يجب أن يتعامل معها النموذج فيمكن إنشاء نظريات جديدة لوصف كل ظاهرة جديدة. إذا كان لديك مليون ظاهرة فسوف ينتهي بك الأمر مع مليون نموذج. ومن المرجح أن تتعارض مع بعضها البعض ولكن ذلك ليس مهما، سوف يحكم على كل منها على أساس مدى "إيضاحها" للشيء الذي قد تم إنشاؤها لإيضاحه. على الأقل نرى ذلك في كتب الاقتصاد الكلي في أحيان كثيرة.

كيف أصبح الاقتصاد هكذا ؟ لعل السبب في أن الاقتصاد تطور ليس من العلوم بل ظهر من الأدب. خلال زمن آدم سميث وديفيد ريكاردو لم تكن هناك أشياء مثل البيانات الاقتصادية. كل ما كان متوفرا هو التجارب الفكرية و الملاحظات العشوائية. لذلك كان الاقتصاد غير قادرعلى تلبية المعايير العلمية في التحقق من صحة البيانات حتى حينها و لقد تطلب الأمر معاركا حقيقية لغرس انضباط هذه المعايير. لم يكن الأمر بأن الناس لم يحاولوا، فإذا قمت بقراءة "منهجية علم الاقتصاد الإيجابي" لميلتون فريدمان من إصدارعام 1966، سوف تجد أنه قد تحدث عن الأمر ذاته.

ربما الآن مع صعود الاقتصاد التجريبي وتراجع النظرية سوف نرى أن التركيز قد تحول إلى إنشاء عدد أقل من النظريات بنوعية أفضل، توحيد أكبر وإلى محاولات للقيام بتوقعات أكثر ابتكارا. لربما في يوم ما، سوف نستطيع القيام بالتوقعات في مجال الاقتصاد الكلي! يجب أن لا نفقد الأمل.

الرجاء وصف الخطأ
إغلاق