جوجل بمثابة أوبر في سوق الاتصالات اللاسلكية
الصفحة الرئيسية التقنيات, أوبر, جوجل

روى كيفين ويرباخ، المختص في تطبيق تقنيات الألعاب في مجالي الأعمال والتعليم والأستاذ في كلية وورتون للأعمال بجامعة بنسلفانيا وأحد مؤلفي كتاب «شارك تسد: تفكير الألعاب في خدمة الأعمال»، روى عن إمكانيات مشروع Google الجديد للاتصالات اللاسلكية.

أثار اهتمامي الخبر عن نية Google للخروج إلى سوق الاتصالات اللاسلكية؛ وعندما أُعلِن عن أن نظام Google سينتقي الشبكات وفق مبدأ «تطبيق إثر تطبيق» اتضحت الصورة الكاملة. هناك تجربة محدودة النطاق من أجل هاتف ذكي يستخدمه القليل من الناس، إلا أن هذا المشروع الصغير يمكن أن يغير كامل صناعة الاتصالات اللاسلكية. قد يبدو هذا خطوة صغيرة لأول وهلة، ولكن في العقد القادم سيرتبط تطور الإنترنت ارتباطاً وثيقاً بتطور الاتصالات اللاسلكية.

لا أحب التشبيهات المباشرة، ولكن في هذه الحالة علي أن أقول أن Google بمثابة Uber في سوق الاتصالات اللاسلكية.

لا يتعلق الموضوع بمشروع Uber الابتكاري الذي يقوض أوضاع منافسيه ولا بقيمته السوقية الخيالية ولا بالمسائل الأخلاقية. إن الورقة الرابحة عند Uber هي الطريقة التي يستطيع تطبيقهم للهواتف النقالة بواسطتها أن «يتغذى» على نتائج تحليل كم هائل من البيانات فيغير العالم المادي. نقرة على شاشة الهاتف الذكي فتأتي سيارة، وفي نهاية الشهر تصلك الفاتورة. أفضل ما يصف هذا الوضع هو مفهوم التطبيقات الجوالة بصفتها جهاز تحكم عن بعد بحياتك والذي طرحه كبير إداريي Facebook مات كولر. أما المبرمج الشهير تيم أورايلي فقد أشار إلى Uber بنباهة أنه من أفضل الأمثلة على طريقة عمل «إنترنت الأشياء» ‎(IoT)‎: السيارات فيها تقانات الشبكات والهواتف الذكية تلعب دور أجهزة استشعار، مما يفتح مجالاً لإمكانيات عظيمة.

متى سيطرت على التطبيق والكائنات والبيانات يتحول ما كان سوقاً إلى خدمة خاصة.

اليد الماهرة تضفي على نموذج «صناعة الخدمات» خبرة مستخدم جديدة وتغير سلسلة خلق القيمة في قطاعات عديدة. تذكروا كيف صار انطلاق iTunes نقطة انعطاف أوصلت Apple إلى نجاح منقطع النظير (وفي نفس الوقت سددت ضربة موجعة لصناعة الموسيقى). ولكن منذ ذلك الحين تزايد حجم «المنظومة البيئية الجوالة» وسرعتها أضعافاً مضاعفة.

لماذا Google ولماذا الشبكة اللاسلكية ولماذا الآن تحديداً

تخاطر Google، حالها حال أي شركة «في قمة» الإنترنت، بأنها لا تسيطر على البنى التحتية المادية التي تؤمّن الوصول إلى المستخدمين النهائيين، فتضطر إلى الاعتماد على مقدمي خدمات الشبكات. تختلف مقاربات إدارة الأعمال بينهم كما تختلف الثقافة المؤسساتية والآراء المتعلقة باستحقاق الحصة الرئيسية من أرباح «المنظومة البيئية الجوالة»، ومن هنا تنطلق المعارك حول مسألة الحياد في الشبكة، أي المبدأ الذي يقضي بأن لا يفضل مقدمو الخدمات أحد أصناف التطبيقات على أصنافها الأخرى.

استطاعت Google وغيرها من شركات الوزن الثقيل في مجال الإنترنت التخلص من أحد مصادر الاعتماد على مقدمي الخدمات عندما أنشأت مراكز بيانات خاصة بها وربطتها بنظم سحابية بواسطة اتصالات خاصة. وقد أنجزوا في الواقع ما كان خبراء الكمبيوتر في ستينات القرن الماضي يعتبرونه مستقبل صناعة الاتصالات: أي أتاحوا الموارد الحاسوبية كما تتاح خدمات الاتصالات العادية سابقين في ذلك مقدمي الخدمة.

وتكمن المشكلة في أن Google، مهما توسعت مواردها وشبكتها من الألياف البصرية، لا تستطيع أن تسيطر على «الميل الأخير»، أي البنية التحتية المادية لإتاحة وصول المستخدمين النهائيين إلى الإنترنت؛ فمن أجل وصل كل بيت في الولايات المتحدة بشبكة الألياف البصرية تلزم استثمارات لا تستطيع تحمل ضخامتها حتى أغنى الشركات مثل Apple. حسب تقديرات لجنة الاتصالات الاتحادية الأمريكية، فإن تكلفة إنشاء شبكة ألياف بصرية وطنية في سنة 2010 كانت تصل إلى 300 مليار دولار. ويكلف إنشاء شبكات لاسلكية نفس المبلغ تقريباً، إذ ينبغي شراء تراخيص مجالات الترددات وبناء الأبراج، والأمر الأكثر إرباكاً هو تكاليف التشغيل وصيانة التجهيزات والدعم التقني للزبائن الذي تكرهه شركات التكنولوجيات العالية كرهاً شديداً.

إذن، لا تستطيع Google وزملاؤها تجاوز «الميل الأخير»، فما العمل؟ يمكن الاقتراب إلى المستهلك إلى أقصى حد ممكن عن طريق سوق الأجهزة النقالة ‎(Android)‎ ومزاحمة مقدمي الخدمات التقليديين بطرح عروض بديلة في أسواق متفرقة ‎(Google Fiber)‎ وإقناع الجهات الناظمة بضرورة مكافحة التمييز من جانب مقدمي خدمات الشكبات (حياد الشبكات).

ولكن لن تغير أي واحدة من هذه الاستراتيجيات أسس أو ديناميكا الجانب التقني لسوق إتاحة الإنترنت؛ أما مشروع Google للاتصالات اللاسلكية فيمكن أن يغيرها.

معروف أن خدمة Google اللاسلكية ستصبح مقدم خدمات شبكة افتراضية للاتصالات الجوالة، أي أن Google ستستأجر طاقات مقدمي الخدمات الموجودين ‎(Sprint وTMobile)‎. سوف تتحول هذه الخدمة بسلاسة بين الاتصال الخليوي 3G/4G وبين WiFi. هذه الميزة موجودة حالياً في جميع الهواتف الذكية، ولكن الخدمات المتخصصة من الجيل الجديد مثل Republic Wireless تعكس الأمر، حيث يصبح WiFi وسيلة الاتصال الأساسية مع إمكانية التحول عند الرغبة إلى الاتصال الخليوي، مما يخفض تكلفة الاتصال ويزيد معوليته ويتجاوز شبكات الخليوي المشغولة.

تستطيع Google تطوير نموذج الخدمات اللاسلكية، فلديها ما يكفي من الأموال للتعاون مع مجمِّعات مثل Boingo ومع مقدمي خدمات الاتصالات السلكية الذين يسيطرون على أكثر من 10 ملايين نقطة WiFi. كما تتوفر لديها البيانات وموارد التحليل لرفع جودة الخدمة، وتستطيع تأمين نقل جلسة المشترك بفعالية أعلى من محطة قاعدية إلى محطة قاعدية أخرى لأنها تتحكم بنظام تشغيل الهاتف. تستطيع تنشيط تطوير التقانات الجديدة والمقاربات الجديدة في مجال الإتاحة اللاسلكية، مثل الفضاء الحر والراديو المعرفي وإتاحة الإنترنت عن طريق المناطيد (مشروع Loon)‎، وكل هذا يتمم WiFi، ويحتمل أنه مع الزمن سيحل محله. وهي تستطيع حتى تحسين التوليف بين مختلف أنماط التطبيقات؛ مثلاً، بتأمين تدفق الفيديو عبر أحد الاتصالات والرسائل النصية والبريد الإلكتروني عبر اتصال آخر. ستتاح خدمات Google اللاسلكية على الهواتف الذكية Nexus 6 فقط بادئ الأمر، ولكن إذا نجح المشروع سيمكن بالتأكيد نشره ليشمل الأجهزة الأخرى.

كانت Google تصرح دائماً أنها لا تخطط لإنشاء مشروع تقديم خدمات ضخم؛ حتى أثناء انطلاق Google Fiber كانت إدارة الشركة تؤكد أن هدفها الرئيسي هو حفز التنافس في قطاع الاتصال بالإنترنت واسع النطاق وإنشاء منصة جديدة لتجربة الخدمات. وتقول الشيء نفسه عن الاتصالات اللاسلكية. ويبدو أن إدارة Google صادقة في كلامها: فما تخطط له الشركة أبعد من ذلك بكثير.

إذا صارت جميع الأجهزة المرسلة اللاسلكية في العالم نقاط دخول للأجهزة «الذكية» التي تستفيد من التخزين السحابي، ستنخفض تكاليف صيانة الشبكة إلى حد بعيد، وسترتفع بنفس القدر إمكانيات الابتكار. لا تحتاج Google إلى التوسع بمفردها في تكنولوجيا WaaS (أي Wireless as a Service)‎ وتكسب الأرباح منها؛ يمكن أن يقوم آخرون ببناء هذا النظام، والمطلوب من Google فقط أن تبرهن على كفاءة النموذج وتتابع الأمور بحيث يربح من انتشارها عملها المربح الرئيسي، وهو نظام الدعايات خلال البحث في الإنترنت.

إن الشبكة اللاسلكية هي مرحلة جديدة إلى حد بعيد لتطور الإنترنت، ولكنها تتجاوز حدود الإنترنت. يوجد في العالم خمسة مليارات من الهواتف الخليوية والكمبيوترات اللوحية، وعشرة أضعاف ذلك من الأجهزة غير الشخصية المتصلة بالشبكة. ومقارنة بهذه الأجهزة تبتعد الكمبيوترات الشخصية في البيوت والمكاتب، والتي دعمت الإنترنت من لحظة ظهوره، لتأخذ مكاناً متواضعاً في الصف الخلفي. تستطيع الأجهزة اللاسلكية القيام بمهام لا تقدر عليها الكمبيوترات الشخصية، مثل تحديد الموقع وقياس مستوى الجهد البدني وتصوير الصور والفيديو والدمج بين الحقيقي والافتراضي وتأمين الاتصال المستمر بالشبكات الاجتماعية وغيرها الكثير.

لا نبالغ لو قلنا أن من يسيطر على الاتصالات اللاسلكية يسيطر على كل العالم.

وتعني «أوبرة» الاتصالات اللاسلكية (أي إلغاء دور الوسطاء فيها) أن إدارة العمليات تنتقل من مقدم خدمات الشبكة إلى الشخص الذي يحمل الهاتف الذكي في يده. لا تتحول الاتصالات الخليوية إلى «مجموعة أجهزة ذات برمجيات غير مكتملة التصحيح». ولكن مقدمو الخدمات اللاسلكية يتجهون إلى ما يخشونه أكثر من أي شيء: شبكاتهم قد تتحول إلى مجرد قناة اتصال الجهاز النقال بالإنترنت. تقبض هذه الشركات مقابلاً لأتعابها، وقد تكون أجورها مجزية، لكنها لا تسيطر على مستقبلها. يصبح مقدمو الخدمات في وضع سائقي Uber: يحصل هؤلاء على حق تقدير وعلى أجور مقابل خدماتهم قبل أن يأتي سائقون جدد فيلغون الحاجة إليهم، وفي المستقبل ربما تلغيهم جميعاً سيارات تسير بلا سائق.

لا تعمل خطة Google إلا إذا وافق مقدمو الخدمات على المستوى الوطني على بيع طاقاتهم بسعر الجملة. لحسن الحظ، وبفضل الصرامة في تطبيق قوانين منع الاحتكار، يوجد في الولايات المتحدة حالياً أربع شركات كبرى لتقديم خدمات الاتصالات اللاسلكية، وليس شركتان فقط. وما رأيك، أي منها تدعم صناعة الشبكات الافتراضية للاتصالات النقالة؟

أكثر من عمل تخريبي

عندما نتحدث عن Uber نفكر عن الضربة التي وجهتها إلى شركات التاكسي العادية. ولكن نظرية الابتكارات التخريبية الشهيرة التي طورها أستاذ كلية الأعمال في هارفارد كلايتون كريستنسن لا يمكن أن تفسر ما يجري بالكامل.

تختلف ابتكارات Uber بطبيعتها عن تلك الابتكارات التي وصفها كريستنسن من مصانع صغرى ومنتجي الأقراص الصلبة، لأن Uber أنشأت قطاع أعمال جديداً من حيث المبدأ. لقد بلغت إيرادات Uber في سان فرانسيسكو حوالي ثلاثة أضعاف إيرادات جميع شركات التاكسي في المدينة مجتمعةً. هذا لا يعني أن القيمة السوقية لشركة Uber ستستمر في الارتفاع وأن الشركة ستستطيع التوسع في أعمالها وكسب القضايا في المحاكم والتغلب على منافسيها، إنما يعني أن العالم يبخس تقدير مدى راديكالية تصرفات Uber. إن فكرة «التحكم عن بعد بالتنقلات بالسيارات» أضخم بكثير من مجرد السعي إلى «تحسين نظام تأمين سيارات الأجرة».

ويشاهد وضع مماثل في سوق الاتصالات اللاسلكية. قد يستهوينا التفكير في ما يمكن أن تكون تأثيرات تجربة Google على مقدمي الخدمات، ولكن ليس هذا هو السؤال الأهم. إن نجاح Google لا علاقة له بخسائر AT&T وVerizon، ولو كانت هاتان الشركتان هي العائق الرئيسي في وجه خلق ذلك العالم الجديد الذي تحلم Google به. إن موضوع حديثنا هو إنترنت الأشياء غير الصناعي، وهو يفتح إمكانيات مالية تقاس بتريليونات الدولارات، ويمكن أن يكون تأثيره على حياتنا هائلاً، ولو كان من الصعب تقديره تقديراً كمياً.

إن الشبكة اللاسلكية تخلق عالماً تكون فيه الأغراض المادية مؤشرات ومصادر بيانات في الوقت نفسه للتنسيق بينها عبر نظم الشبكات. وكلما كان هذا العالم مفتوحاً أكثر، وكلما ازدادات فيه الروابط، تزداد إمكانيات الابتكار وازدهار البشرية. إن سمعة Google في مجال كشف المعلومات متناقضة، ولا سيما في الفترة الأخيرة، ولكن الشركة تعمل براحة أكثر في بيئة لا تخضع للتنظيم مقارنةً بمشغلي شبكات الهاتف. وقد تصبح خدمة الاتصالات اللاسلكية من Google ابتكاراً يغير كل شيء.

هذه التجربة الصغيرة لديها كامن ضخم.

المصدر: Medium

اقرأ أيضا:
الرجاء وصف الخطأ
إغلاق